ما هي المخاطر المالية؟ وكيف تؤثر على عوائدك الاستثمارية؟

لا يخلو أي عمل تجاري أو استثماري أو حتى شخصي من المخاطر، وإن العوائد الاستثمارية المتوقعة على أي فرصة استثمارية، هي مرتبطة ارتباطاً طردياً مع مستوى المخاطر ذات العلاقة. أتناول في هذا المقال التعريف بالمخاطر المالية، وطرق قياسها، وتحليلها، وبيان تأثيرها على العوائد المتوقعة والاعتبارات ذات العلاقة بالقرارات الاستثمارية.  

ما هي المخاطر المالية؟  

في عالم التجارة والاستثمار، المخاطر هي مكون أساسي لقرارات الاستثمار والربحية، وهي إما أن تكون إيجابية أو سلبية للمستثمر، والمخاطرة ستكون معدومة بحالة وجود ضمان 100٪ في المُخرج المستقبلي المتوقع (والذي قد يكون مثلاً صافي الربح في فرصة استثمارية). لذا، تعتبر الفوائد البنكية على الحسابات الجارية أو الاستثمار بالسندات الحكومية قصيرة الأجل (مثلاً ثلاثة شهور) هي تقريباً مضمونة العوائد وتعتبر عديمة المخاطر. والمخاطرة بتعريفها العام هي عبارة عن مصطلح يطلق على مدى التذبذب بالأرباح (أو أي مخرج أخر) عن الربح المتوقع، وكلما زاد مدى التذبذب بالأرباح الفعلية أو المخططة عن المتوقع، كلما زادت درجة المخاطر على الاستثمار.  فمثلاً، إذا حللنا معلومات عن قيم التذبذب بربح سهم لشركة معينة خلال الخمس سنوات الماضية، نستطيع عندئذ أن نقيس درجة المخاطرة المالية لهذا السهم، وذلك عبر قياس درجة الإنحراف المعياري للأرباح المسجلة عن متوسط الأرباح المتوقعة خلال الخمس سنوات الماضية.  ويمكنك كذلك تحديد إن كانت تلك المخاطرة عالية أو منخفضة، عبر دراستها مع متوسط أرباح الأسهم للقطاع. وما يهمنا في هذا السياق هو فهم مفهوم المخاطرة عبر تقييم مدى التذبذب أو التأرجح بالأرباح المتحققة (أو المخططة) عن متوسط قيمة الأرباح المتوقعة.  وتختلف درجة تقبل المخاطر من شخص إلى شخص آخر، ويُصَنف المغامرون بأنهم يقبلوا مخاطر عالية في قراراتهم، عكس الأفراد العاديين والمحافظين الذين يقبلوا هامش مخاطرة محدود للغاية.  وكذلك مدراء المؤسسات، فإنه تختلف درجة تقبلهم للمخاطرة وانعكاس ذلك على قراراتهم الاستثمارية ونتائج أعمالهم.  

ما هي أنواع المخاطر المالية؟  

توجد فئتان رئيسيتان للمخاطر المالية هما المخاطر السوقية ومخاطر المؤسسة.  الفئة الأولى هي المخاطر السوقية أو النظامية التي تنجم عن تغيرات في عوامل السوق مثل التغيرات السياسية، أو الاقتصادية، أو التكنولوجية، أو الاجتماعية، وتأثيرها على ربحية المؤسسة، وهذه النوعية من المخاطر يصعب التخلص منها ويمكن التخفيف من أسباب حدوثها وتأثيرها عبر أدوات الاستثمار البديلة مثل الخيارات، والبيع الآجل، والمبادلة. أما الفئة الثانية من المخاطر هي تلك المتعلقة بالمؤسسة والتي تنجم عن عوامل مؤسسية مثل تأثير كفاءة الإدارة، أو أداء الموظفين، أو التشغيل، أو التمويل، على ربحية المؤسسة. وهي تتضمن مثلاً المخاطر التجارية ـــ التي تشرح التغير بمبيعات المؤسسة المحتملة وتأثير ذلك على صافي الأرباح السنوية، والمخاطر المالية ـــ التي تصف التغير بالأرباح التشغيلية المحتملة للمؤسسة وتأثيرها على سداد فوائد القروض السنوية، والمخاطر الائتمانية ـــ تلك المتعلقة بتذبذب قدرة المؤسسة على سداد القروض والفوائد المستحقة، والمخاطر الاستثمارية ـــ تلك المتعلقة بالتغييرات في أرباح استثمارات المؤسسة، والقدرة على التسييل السريع المربح، وإعادة الاستثمار في فرص استثمارية مربحة، وهكذا.  كما يمكن تخفيض هذه النوعية من المخاطر عبر الاستثمار في محافظ استثمارية تضم أسهم وسندات منوعة ومختارة بعناية لمؤسسات أخرى بالسوق.  

كيف تقييس المخاطر المالية؟  

يمكن قياس هامش المخاطرة المالية عبر طرق متعددة منها الانحراف المعياري، و”بيتا”، و”شاربي ريشيو”، وغيرها.  إلا أن طريقة الانحراف المعياري تكاد تكون الأهم والأكثر استخداماً في عالم الاستثمار. ويمكن تقدير الانحراف المعياري للأرباح المتحققة لمؤسسة في آخر مثلاً خمس سنوات وذلك عبر حساب متوسط الانحرافات في الأرباح عن المتوقع.  وهو عبارة عن الجذر التربيعي لمعامل الانحراف.  ويحسب معامل الانحراف عبر تقدير متوسط الانحرافات التربيعي عن المتوقع.  ويحسب الانحراف المعياري عبر حاصل الجذر التربيعي لمعمل الانحراف.  فمثلاً، إن متوسط الأرباح التاريخية لسهم مؤسسة هو 10 دولار بالعام، وإن الانحراف المعياري لربح هذا السهم (أو المخاطرة) هو اثنان، هذا يعني أن الربح المتوقع مستقبلاً لهذا السهم قد يتراوح بين 8 – 12 دولار.   

كيف تحلل المخاطر المالية؟  

توجد عدة طرق لتحليل المخاطر المالية، مثل تحليل نقطة التعادل، وتحليل الحساسية، وتحليل السياقات، وتحليل المحاكاة.  تعرف نقطة التعادل كقيمة أو ككمية مبيعات المؤسسة التي عندها فقط تتساوى قيم الإيرادات مع التكاليف وينتج عنها أرباح صفرية. وعليه، فإن المؤسسة ستحقق خسائر بحالة تحقيقها مبيعات تقل عن مبيعات نقطة التعادل. ويمكن تقدير نقطة التعادل حسابياً عبر حاصل قسمة قيمة المصاريف الثابتة السنوية على هامش الأرباح أو هامش الربح لكل وحدة إنتاج. وإن مدلولات تحليل نقطة التعادل على المخاطر المتوقعة، هي بيان مستوى المبيعات أو نسبة استغلال الطاقة الإنتاجية (خاصة بالمصنع) التي تُمكن المؤسسة عندها من تحقيق أرباح. أما تحليل الحساسية، فهو يحلل درجة معاملات الارتباط والتأثير بين العوامل المتغيرة والمؤثرة في ربحية المؤسسة مثل أسعار البيع، أو قيمة المبيعات، أو التكاليف، أو معدل النمو، وجدوى المؤسسة الاستثمارية.  فمثلاً، إن يتم تخفيض أسعار البيع بواقع 10٪ وقياس تأثير ذلك على جدوى المشروع (محسوباً على أساس مثلاً صافي القيمة الحالية للمشروع، أو العائد الداخلي، أو مدة التغطية). وينتج عن تحليل السياقات عدة سيناريوات بشأن ربحية المشروع، مثلاً متوقع وغير متوقع وأقل توقعاً، وذلك بافتراض متغيرات مختلفة لكل سيناريو وقياس تأثير ذلك على ربحية المشروع.  وتحليل السياقات هو لا يختلف كثيراً عن تحليل الحساسية باستثناء أن تحليل السياقات يفترض سيناريو متكامل متوقع لربحية المشروع استناداً على متغيرات وفرضيات متعددة وليست محدودة كما هو الحال في تحليل الحساسية. أما تحليل المحاكاة، فهو عبارة عن تحليل المخاطرة باستخدام الكمبيوتر والتطبيقات الإلكترونية لقياس مستويات الأرباح أو الجدوى الاستثمارية لمشروع، وذلك وفقاً لسيناريوات متعددة وأن يتم اختيار فرضياتها عشوائياً بواسطة التطبيق الإلكتروني. ومن أشهر تطبيقات المحاكاة هو “مونت كارلو” الذي يحلل ربحية المشروع وفقاً لمتغيرات واحتمالات متعددة وبيان جدوى المشروع وفقاً لذلك.  

علاقة المخاطر بالعوائد الاستثمارية

يطلب المستثمر دوماً عائد استثماري مجزي ويكفي لتغطية أو تعويض هامش المخاطرة ذات العلاقة بالفرصة الاستثمارية (مثل انخفاض العائد الاستثماري أو الخسارة)، لذا يرتبط العائد المتوقع بعلاقة طردية (موجبة) مع درجة المخاطرة لكل فرصة استثمارية. والعائد الذي يطلبه المستثمر (مالك المؤسسة أو سهم المؤسسة) هو عبارة عن حاصل جمع كل من العائد الذي يحصل عليه المستثمر دون مخاطرة (الناجمة عن أسباب تتعلق بالفرصة نفسها) والذي يقاس كعائد على ودائع بنكية، والعائد مقابل هامش المخاطرة (الناجمة عن أسباب خارجية مصدرها السوق). فمثلاً، يطلب المستثمر في مؤسسة ناشئة عائداً سنويا قد يتجاوز 30٪ وذلك لتعويض هامش المخاطرة العالي الناجمة عن فشل المؤسسة، لكن هذا المستثمر حتماً سيطلب عائد استثماري أقل، وقد لا يتجاوز 15٪ على الاستثمار في أسهم لشركة مستقرة ومدرجة بالبورصة (مثل جوجل أو آبل). 

كلمة أخيرة 

لا يمكن لأي شخص أن يقود مؤسسة ويحقق أرباح دون قبوله للمخاطر، ودراسته الدقيقة لتلك المخاطر، وتحديده لسقف الأرباح المتوقعة. لذا، فإن المخاطر هي احتمالات إيجابية أو سلبية للمستثمر، وهي بذلك ملازمة لقراراته المالية والإدارية والاجتماعية وكذلك الشخصية.  وعلينا أن نتقبل هامش المخاطر المدروسة، ونتسلح بالمهارات والتكتيكات اللازمة لتحليل تلك المخاطر، ودراستها جيداً، وتحديد هامش الأرباح المتوقعة، وذلك قبل اتخاذ القرارات الاستثمارية.

ملاحظة: هذا المقال مقتبس من كتابي “دليلك المالي لإدارة المؤسسة الناشئة.

لمزيد من التفاصيل عن الكتاب

https://growenterprise.co.uk/book-a-financial-guide-to-running-a-startup/

للتسجيل والحصول على ملخص الكتاب

https://forms.gle/FMg6B4MQNZGxib9P6

للتسجيل في نشرتنا الشهرية

http://eepurl.com/ggcC29

إعداد: منذر الداود

خبير مؤسسات ومدرب ومؤلف
Grow Enterprise
http://www.growenterprise.co.uk
maldawood@growenterprise.co.uk
United Kingdom

Categories business, finance, investmentTags ,

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close