ماهي التوجهات المستقبلية للتصنيع؟ وكيف تُؤثر على أداء المصانع الصغيرة؟

بالنظر إلى التطورات التكنولوجية الماضية، يتضح أن الاتجاهات المستقبلية للتصنيع ستركز على العملاء وتلبية رغباتهم وخلق قيم مبتكرة. وعلية فأن مستقبل الصناعة سيركز على الطلب والمنتج والوفورات الناتجة عن الإنتاج الكبير وسلاسل توريد القيمة وابتكار قيم تتضمن مواصفات ومنافع ومزايا فريدة. أناقش في هذا المقال التوجهات المستقبلية للتصنيع وتأثير ذلك على المصانع الصغيرة.  

التغيرات في هيكل الطلب

قبل الثورة الصناعية الرابعة، كانت الشركات الصناعية الكبيرة ذات الاستثمار العالي والإنتاج الكبير تؤثر على الطلب عبر ما تنتجه وكذلك احتكار المعروض والتأثير على مستوي المنافسة والأسعار. إلا أن هذا الوضع قد تغير في ظل ثورة تكنولوجيا التصنيع، وعلية أصبح المصنعون حاليا يهتمون بصناعة منتجات أكثر تخصيصًا لتناسب احتياجات العملاء وتقوية الموقف التنافسي وردم الفجوة في الادوار بين المصنع والعميل. فمثلا، لم يعد دور العميل مقتصرا على شراء منتجات فقط، بل سيتجاوز ذلك ليشمل دوره في صناعة المنتج وتحديد مواصفاته الفنية والوظيفية وتصميمه وتسعيره وتوزيعه وترويجه، وتلك الأدوار كانت لفترات ماضية تتحكم فيها المصانع الكبيرة. كما ستلعب عوامل الطلب دورا رئيسيا في تحديد المزيج التسويقي للمنتجات والتأثير على الموقف التنافسي للمصانع والتوجه الاستراتيجي. وستصبح المصانع الصغيرة أكثر قدرة من المصانع الكبيرة في تصنيع منتجات شخصية تناسب المواصفات الذي يقبلها العملاء وبأقل تكلفة وذات قيمة مبتكرة لشريحة عملائها المستهدفين وكذلك التركيز على فئة محدودة من السوق، كما سيتأثر هيكل الطلب ليس فقط بالعلامة التجارية والجودة والأسعار، بل سيشمل أيضا مواصفات ومنافع ومزايا المنتج وابتكاره ومستوي تضمين رغبات العميل الشخصية بالمنتج من حيث التصميم والمنافع وخفض التكلفة وخدمة العملاء وقنوات التوزيع.

التغيرات في طبيعة المنتج ومواصفاته

بشكل متوازي ووفقا للتغيرات بهيكل الطلب، فإن ثمت تغيرات مهمة حصلت وستتعزز مستقبلا في طبيعة المنتج وتشمل الانتقال من كون المنتج صامتا الي تصنيع منتج ذكي ويتمتع باتصاله المستمر مع العالم الخارجي ويستجيب للمؤثرات الخارجية. فمثلا، تصنيع سيارة تقاد بواسطة أنظمة كمبيوتر وأجهزة استشعار عن بعد عوضا عن طريق القيادة التقليدية وكذلك تزويد السيارة بخدمة الإنترنت والاستشعار عن بعد لتخفيف السرعة عند القرب من السيارات الأخرى وكذلك الإضاءة الأتوماتيكية عند الغروب وغيرها. بالوقت نفسه، ستتغير نظرة المستهلك للمنتج حيث سيبحث عن منتجات ذكية وتحقق متطلباته الشخصية بالتصميم والتشغيل والمواصفات وتتيح قيم ومنافع متعددة وصغيرة بالحجم وخفيفة الوزن وأكثر قدرة على حل المشكلات التي يواجها العملاء. كما يمكن التنبؤ بمواصفات المنتجات مستقبلا على إنها قابلة للحمل مثل كمبيوتر، وعلى شكل ساعة يد، ومتعددة الأغراض مثل الموبايل الذي يمكن استخدامه في إجراء المكالمات والفيديو والكاميرا والاعمال المكتبية، ومرتبط بخدمة الإنترنت وذكية أي قادره على الاستجابة الفورية للمؤثرات الخارجية دون أي تدخل يدوي. ولم تعد منظومة القيم للمنتج تتمثل في الجودة والمواصفات الفنية والسعر فقط، بل ستتضمن كذلك مواصفات الذكاء الصناعي، وقدرة المنتج علي القيام بوظائف متعددة، وصغير الحجم، ويحوي نظام تشغيل وأداء عالي الكفاءة، ويحمل مواصفات العميل الشخصية، ورخيص الثمن. هذه المواصفات الدقيقة لمنظومة القيم للمنتج الصناعي هي ناجمة عن استخدام تكنولوجيا المعلومات والإنترنت بالتصنيع وتشغيل المنتج. 

التغييرات بنموذج العمل والمنافسة

إلي وقت قريب، عاني المستثمرون من صعوبات كبيرة لدخول عالم الصناعة وذلك بسبب ضخامة رأس المال المطلوب لتأسيس مصنع والقنوات التقليدية للتوزيع وبيع المنتجات، إلا أن هذا الوضع قد تغير وسيتغير أكثر مستقبلا بفضل تكنولوجيا الإنتاج والمعلومات وثورة الإنترنت وتطبيقاتها، والتي ساهمت في تذليل كثير من الصعوبات لدخول مستثمرين جدد وصغار للسوق وبكلف استثمارية بسيطة، وقدرة تلك المصانع على إنتاج منتجات صغيرة بديلة عن تلك المنتجات الصناعية الضخمة ومتعددة الأغراض ورخيصة الثمن وتوزع عبر المنافذ الإلكترونية بدلا من المنافذ التقليدية المكلفة. فعلي سبيل المثال، أصبح من السهل حصول المصانع الحديثة على خدمة الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات وبأسعار زهيدة، وساهم ذلك في سرعة حصولهم على المعلومات بشأن العملاء والسوق والمنافسة وعمليات التصنيع والصيانة والجودة وتحليلها بصورة فعالة ومستمرة واتخاذ القرارات السليمة لدعم عمليات البيع والانتاج والجودة وتحقيق أرباح ونمو. لذا، بفضل تكنولوجيا المعلومات والإنترنت، فقد أزيلت معظم الحواجز للاستثمار في المصانع وإدارتها ودعم عملياتها التشغيلية، وساعد ذلك على تطور سريع في تكنولوجيا التصنيع باستخدام مثلا، تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد والإنسان الآلي واستخدام مواد خام أكثر جودة وأرخص ثمنا وأقل وزنا وحجما في العمليات التصنيعية، إضافة إلي استخدام تكنولوجيا المعلومات والإنترنت وتطبيقاتها في المصانع، والتي ساهمت بولوج مستثمرين جدد في سوق التصنيع وتوسيع نطاق المنتجات الصناعية وزيادة معدلات الإحلال  للمصانع والمنتجات واحتدام حدة المنافسة لصالح العملاء. 

بروز قوي لنماذج المصانع الصغيرة

ساعدت تكنولوجيا التصنيع والمعلومات والإنترنت على تسهيل دخول مستثمرين صناعيين صغار جدد للسوق وذلك بسبب انخفاض تكلفة الاستثمار والتشغيل. هذا الوضع قد أفرز نماذج لمصانع صغيرة، وباستثمارات محدودة نسبيا، وبكلف تشغيل أيضا منخفضة، وقادرة على التخصص بإنتاج منتجات صغيرة ورخيصة ومحدودة الكمية، واستهدافها لفئة محدودة من العملاء. نتج هذا الوضع عن تغيير في نموذج التصنيع والانتقال من المصانع الضخمة العابرة للقارات إلى الاعتماد على مصانع صغيرة محلية ومتخصصة ومعتمدة على المصانع الكبيرة في مدها بقطع الغيار والمدخلات المادية والأنظمة التشغيلية للتصنيع. حيث أصبحت تلك المصانع أكثر تخصصا وتعتمد على نموذج السوق بدلا عن نموذج المنتج في إدارة عملياتها التصنيعية والمبيعات والتشغيلية. وهذا التحول بنموذج العمل المعتمد على تلبية رغبات العملاء، قد ساعد على خفض تكلفة المنتج، وتطوير منتجات ذكية، وبقيم مبتكرة ومتخصصة، ويرغبها العملاء، واعتماد برامج ترويج وقنوات توزيع إلكترونية منخفضة الكلفة وفاعلة، وأصبحت المصانع تركز على فئة محددة من العملاء بالسوق المحلي بدلا من الأسواق العالمية.

التغيرات الاقتصادية في منافذ التوزيع

ساهمت تكنولوجيا المعلومات والإنترنت في تضيق المسافة بين المصنع وكل من منافذ التوزيع، وعليه فقد أصبح العملاء أكثر قربا من أي وقت مضي للمصنع أو المنتج. وهذا ساعد كثيرا علي زيادة كفاءة الموزعين والموردين حيث لا يحتاج الموزع تخزين كميات كبيرة لدية وبذلك يستطيع خفض كلفة التوزيع، وانعكاس ذلك على خفض سعر البيع. وأصبح الموزع أكثر كفاءة ومنافسة دون غيرة لتلبية رغبات العملاء وتقديم خدمات ذات قيمة مبتكرة للعملاء مثل توافر المنتجات بمنافذ قريبة من العملاء وتزويدهم بالمعلومات الكافية عن المنتجات ومساعدتهم باختيار المنتجات الأكثر مناسبة لهم وتمكينهم من تجريب المنتجات قبل الشراء. وبالوقت نفسه، أصبحت المصانع كذلك قريبة جدا من المنافذ والعملاء وساهمت المصانع في تقليل الفجوة بينهم والعملاء في تصميم المنتج وتحديد مواصفات المنتج وتصنيعه وتسعيرة وتخصيصه ليلبي رغبات العملاء الشخصية، والانتقال من نموذج الإنتاج للتخزين الي نموذج الإنتاج لتنفيذ طلبيات العملاء. 

التغيرات بمنظومة القيم للمنتجات الصناعية

أصبحت المصانع الحديثة أكثر تركيزا على عناصر المنافسة المتعلقة بمنظومة القيم المبتكرة للمنتجات، والذكاء الصناعي، والتخصيص لتناسب متطلبات العملاء الشخصية، والاستجابة الذاتية للمؤثرات الخارجية عبر تضمينها أجهزت استشعار عن بعد وأنظمة كمبيوتر مفعله بالإنترنت قادرة على جمع المعلومات وتحليلها والاستجابة، وكذلك رخيصة الثمن بالمقارنة بنفس المنتجات الصناعية التقليدية. كما أن منظومة القيم المبتكرة للمنتجات الصناعية المستقبلية ستركز أكثر على عوامل السوق وتلبية رغبات العملاء واستهداف شريحة محددة منه واقتناص فرص نمو المبيعات والإنتاج، كما ستتمتع تلك المنتجات بمواصفات متطورة، ووظائف متعددة، وصغر حجمها لتساعد في خفض تكلفة إنتاجها وسرعة وسهولة تصنيعها، وأن تكون ذكية ورقمية التشغيل والتحكم. 

ملاحظة أخيرة

هذه المقالة مقتبسة من كتابي قيد النشر بعنوان ” دليلك لإنشاء مصنع”. ولتتمكن من قراءة مقالاتنا ومنشوراتنا بانتظام في مجال المؤسسات الصغيرة وريادة الأعمال، أدعوك للتسجيل في نشرتنا الإخبارية على هذا الرابط نشرتنا الإخبارية، أو زيارة موقعنا الإلكتروني http://www.growenterprise.co.uk/  

A screenshot of text

Description automatically generated
غلاف كتاب- دليلك لإنشاء مصنع

منذر الداود

خبير مؤسسات صغيرة ومتوسطة

GrowEnterprise

United Kingdom

Categories businessTags , , , , ,

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close